ابن كثير

210

البداية والنهاية

بذلك لخوفهم على أنفسهم من البرد ، حتى يخرج فصل الشتاء . وحج بالناس فيها عبد الله ( 1 ) بن عباس بن محمد بن علي . ذكر من توفي فيها من الأعيان جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أبو الفضل البرمكي الوزير ابن الوزير ، ولاه الرشيد الشام وغيرها من البلاد ، وبعثه إلى دمشق لما ثارت الفتنة العشيران بحوران بين قيس ويمن ، وكان ذلك أول نار ظهرت بين قيس ويمن في بلاد الاسلام ، كان خامدا من زمن الجاهلية فأثاروه في هذا الأوان ، فلما قدم جعفر بجيشه خمدت الشرور وظهر السرور ، وقيلت في ذلك أشعار حسان ، قد ذكر ذلك ابن عساكر في ترجمة جعفر من تاريخه منها : - لقد أوقدت في الشام نيران فتنة * فهذا أوان الشام تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل برمك * عليها خبت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفر * وفيه تلاقى صدعها وانجبارها هو الملك المأمول للبر والتقى * وصولاته لا يستطاع خطارها وهي قصيدة طويلة ( 2 ) ، وكانت له فصاحة وبلاغة وذكاء وكرم زائد ، كان أبوه قد ضمه إلى القاضي أبي يوسف فتفقه عليه ، وصار له اختصاص بالرشيد ، وقد وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ، ولم يخرج في شئ منها عن موجب الفقه . وقد روى الحديث عن أبيه ، عن عبد الحميد الكاتب ، عن عبد الملك بن مروان كاتب عثمان ، عن زيد بن ثابت كاتب الوحي . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه " . رواه الخطيب وابن عساكر من طريق أبي القاسم الكعبي المتكلم ، واسمه عبد الله بن أحمد البلخي - وقد كان كاتبا لأحمد بن زيد - عن أبيه عن عبد الله بن طاهر عن طاهر بن الحسين بن زريق ، عن الفضل بن سهل ذي الرياستين عن جعفر بن يحيى به . وقال عمرو بن بحر الجاحظ قال جعفر للرشيد : يا أمير المؤمنين ! قال لي أبي يحيى : إذا أقبلت الدنيا عليك فاعط ، وإذا أدبرت فاعط ، فإنها لا تبقى ، وأنشدني أبي : لا بتخلن بدنيا وهي مقبلة * فليس ينقصها التبذير والسرف فان تولت فأحرى أن تجود بها * فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف قال الخطيب : ولقد كان جعفر من علو القدر ونفاذ الامر وعظم المحل وجلالة المنزلة عند

--> ( 1 ) في الطبري 10 / 94 : عبيد الله . وفي مروج الذهب 4 / 455 كالأصل . وقال : وقيل منصور بن المهدي . ( 2 ) نسب القصيدة الطبري إلى منصور النمري ( 10 / 66 - 67 ) .